الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

15

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ومعناه الإثم ، والجملة تعليل للنهي : لموقع إنّ منها ، أي نهاكم اللّه عن أكل أموالهم لأنّه إثم عظيم . ولكون إنّ في مثله لمجرد الاهتمام لتفيد التعليل أكّد الخبر بكان الزائدة . [ 3 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 3 ] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا ( 3 ) اشتمال هذه الآية على كلمة الْيَتامى يؤذن بمناسبتها للآية السابقة ، بيد أنّ الأمر بنكاح النساء وعددهنّ في جواب شرط الخوف من عدم العدل في اليتامى ممّا خفي وجهه على كثير من علماء سلف الأمة ، إذ لا تظهر مناسبة أي ملازمة بين الشرط وجوابه . واعلم أنّ في الآية إيجازا بديعا إذ أطلق فيها لفظ اليتامى في الشرط وقوبل بلفظ النساء في الجزاء فعلم السامع أنّ اليتامى هنا جمع يتيمة وهي صنف من اليتامى في قوله السابق : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [ النساء : 2 ] . وعلم أنّ بين عدم القسط في يتامى النساء ، وبين الأمر بنكاح النساء ، ارتباطا لا محالة وإلّا لكان الشرط عبثا . وبيانه ما في « صحيح البخاري » : أنّ عروة بن الزبير سأل عائشة عن هذه الآية فقالت : « يا بن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليّها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فلا يعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا أن ينكحوهنّ إلّا أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء غيرهنّ . ثم إنّ الناس استفتوا رسول اللّه بعد هذه الآية فأنزل اللّه : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [ النساء : 127 ] . فقول اللّه تعالى : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [ النساء : 127 ] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال ، فنهوا عن أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلّا بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال » . وعائشة لم تسند هذا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن سياق كلامها يؤذن بأنّه عن توقيف ، ولذلك أخرجه البخاري في باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة اعتدادا بأنها ما قالت ذلك إلّا عن معاينة حال النزول ، وأفهام المسلمين التي أقرّها الرسول عليه السلام ، لا سيما وقد قالت : ثمّ إنّ الناس استفتوا رسول اللّه ، وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية اعتدادا بما فهمه الناس ممّا يعلمون من أحوالهم ، وتكون قد جمعت إلى حكم حفظ حقوق اليتامى في أموالهم الموروثة حفظ حقوقهم في الأموال التي يستحقّها البنات اليتامى من مهور أمثالهنّ ، وموعظة الرجال بأنّهم لمّا لم يجعلوا أواصر القرابة